محمد غازي عرابي
652
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ومحدثون على أن هذه الحاسة الخلاقة هي التي جعلت من الإنسان إنسانا متألها ، علم ما لم يعلم ، وقال سبحانه : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 3 ، 4 ] . والفهم ما يفهم من ظاهر الحس ، فهو استخلاص المعقول من المحسوس والوعي نور يشع في هذا الفهم ، فإذا الإنسان قد وعى فجأة شيئا جديدا ما كان يخطر له ببال ، ومن هذا الوعي إدراك أن اللّه موجود ، وأنه حضور ، وأنه قريب ، وأنه أزلي أبدي سرمدي عال على الزمان والمكان ، لا يناله التطور ، ولا يخضع لقانون السببية بل هو ذلك القانون وهو مسبب الأسباب ، خارج على فلك الصيرورة التي هي من بديع صنعه . . . هو البحر ونحن القطر ، منه وفيه وإليه وبه لا إله إلا هو ، والذين يعتزون بغير اللّه يجدون أنفسهم في صحراء سراب يباب قفر بلقع ، لا يجدون من شيء يقفون عليه سوى المصادفة والعبث والضياع والجنون . . . وقد يعتمدون قانون الغاب ، وكم غاب عنهم من أسرار قانون الغاب نفسه . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 18 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) [ المؤمنون : 18 ] أنزل العلم الإلهي بقدر ، فلكل اسم حظه من العلم ، ولهذا تفاوتت العلماء في مقدار نيلهم العلم ، فمنهم المحقق ، ومنهم العارف ، ومنهم العالم ، ومنهم الفقيه المشرع ، وهذا على مستوى علوم الدين ، أما على مستوى علوم الدنيا فالعلم الإلهي تناول كل شيء وشمل حتى علوم علماء الطبيعة والطب والنفس والمجتمع ، فما من عالم إلا وقد تعين اسم اللّه العليم به ، قد خصص له ربه مقدارا وضربا من العلم يحصله ، ولهذا يكون العالم عالما وهو في بطن أمه ، وهذا يذكر بالمثل الذي ضربه أرسطو بذرة البلوط التي ستصير في المستقبل شجرة بلوط . وقوله سبحانه : وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ يعني استعادة العلم من العالم وللأمر نكتة ، فالإنسان ما دام متعينا فهو يأخذ من حواسه وقواه ، وهو عن طريق الحواس والقوى يكون عالما ، وعلى هذا فقولنا إن العالم يكون عالما وهو في بطن أمه يقضي خروج العالم الجنين من بطن أمه إلى العالم ليراه ويدرسه ويفكر فيه ويتأمله ثم يستخلص علمه منه . فالأمر بين ظاهر وباطن ، أما الباطن فمدده اسم اللّه الباطن ، وأما الظاهر فمدده اسم اللّه الظاهر والذي هو عالم العيان نفسه ، والآية أشارت إلى فناء تعين العالم سواء لدى موته أو لدى إصابته بآفة تتلف مركزا من مراكز الدماغ ، أو لدى إصابته بمرض الخرف الذي يصيب الطاعنين في السن فينسى كل ما كان تعلمه ، ويعود طفلا جاهلا كما كان فاللّه صاحب العلم ، والإنسان وسيلة لظهور العلم الإلهي ولولاه ما ظهر .